محمد عزة دروزة
183
التفسير الحديث
وقد يدل هذا على أن اليهود قد أسفروا عن وجوههم ووقفوا نهائيا موقف الجحود للدعوة الإسلامية ومناوأتها . والمتبادر أن ذلك كان تدريجيا ، فالحلقة الأولى حكت جحودهم لنبوة النبي والقرآن ، ولا بد من أن يكون ذلك بعد فترة ما من وصول النبي إلى المدينة . والمتبادر أن الحلقة الخامسة التي نحن في صددها قد نزلت بعد فترة ما من الحلقات السابقة لأنها تضمنت نتيجة لمواقفهم المتنوعة التدريجية واللَّه أعلم . ولقد وقف المفسرون عند بعض عبارات الحلقة وأوردوا روايات عن المؤولين القدماء في صددها ، وفي ما يلي ما رأينا فيه فائدة مع تعليقنا عليه : 1 - في صدد جملة * ( وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّه ثُمَّ يُحَرِّفُونَه مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوه ) * حيث رووا أنها حكاية عن ما كان القدماء يفعلونه وأن الأحبار القدماء ، كانوا يحرفون معاني التوراة مقابل رشاو تعطى لهم . والجملة تتحمل هذا بدون ريب غير أن جملة * ( وإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ) * المعطوفة عليها جعلتنا نرجح أن الصورة لليهود المعاصرين للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . 2 - في صدد جملة : * ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِه عِنْدَ رَبِّكُمْ ) * رووا أن بعضهم كان يعترف للمسلمين بأن محمدا نبيّ حقا ولكنه مرسل للعرب . وأن آخرين نهوهم عن هذا الاعتراف لأن فيه على كل حال حجة عليهم كما رووا أن بعض المسلمين كانوا يسألونهم عن النبي وعن مطابقة ما جاء به مع كتبهم فكانوا يجيبونهم بإجابات إيجابية فنهاهم الآخرون عن ذلك . وفحوى العبارة وروحها متسقان مع هذه الروايات . 3 - في صدد جملة : * ( وقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ) * رووا أن اليهود تجادلوا مع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقالوا لن ندخل النار إلا أربعين ليلة ويستخلفنا قوم آخرون يعنون محمدا وأصحابه فقال لهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : بل أنتم خالدون بها لا يخلفكم أحد وأنزل اللَّه الآية . كما رووا أن اليهود كانوا يقولون إن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وأن اللَّه يعذب الناس يوم القيامة لكل سنة يوما فأنزل اللَّه الآية . والرواية